لماذا نكتب؟

لأن الكتابة توثيق، وخلود.
هكذا أتصور كل سطر، وجملة كُتبت، وستكتب، حيث تسجل نفسها في أحد سجلات الخلود، قد يكون خلودًا محدودًا بطبيعة المقاييس المادية إلى حد ما.
ولكنه بمقاييس أخرى -أعني الكلام الذي نكتبه- خاصة إن كان علمًا نافعًا، أو آراء راشدة، ونصائح سديدة فهي حافظة لذكر كُتابها في حياتهم وبعد مماتهم، وإن كانت من العلم النافع فهي من أعمالهم التي لا تنقطع بعد وفاتهم كما دل الحديث الشريف.
كلما رأيت كتابًا قد خرج للوجود وأصله مخطوطة كتبتُ قبل مئات السنوات فإن إحساسًا عميقًا بخلود الكلمات، وأهمية سعينا في ذلك، وهو ما يشعرني بغبطة أولئك المصنفين العلماء الذين كتبوا كلامًا سار عبر القرون حتى وصل إلينا، رحمهم الله جميعًا.

موقف لكعب بن زُهير بن أبي سُلمى وهو صغير

ذكرت بعض كتب التراجم القصة الآتية لكعب رضي الله عنه:

أنشد النابغة الذبيانيّ النعمان بن المنذر:

تراك الأرض  إمّا متّ خفّا … وتحيا ما حييت بها  ثقيلا

فقال له النعمان: هذا البيت إن لم تأت بعده ببيت يوضّح معناه، وإلا كان إلى الهجاء أقرب، فتعسّر على النابغة النظم، فقال له النعمان: قد أجلّتك ثلاثًا، فإن قلت فلك مائة من الإبل، وإلا فضربة بالسيف بالغة ما بلغت، فخرج النابغة وهو وجل، فلقي زهير بن أبي سلمى فذكر له ذلك، فقال: اخرج بنا إلى البرية، فتبعهما كعب فردّه زهير، فقال له النّابغة: دع ابن أخي يخرج معنا وأردفه، فلم يحضرهما شيء، فقال كعب للنابغة:

يا عم، ما يمنعك أن تقول:

 لأنك موضع القسطاس منها … فتمنع جانبيها أن تميلا

فأعجب النابغة، وغدا على النعمان فأنشده فأعطاه المائة فوهبها لكعب بن زهير فأبى أن يقبلها.

في معنى التسامح

عندما أتسامح/ أتسامى عمن أساء إلي، فلا يعني ذلك أن أكون وفق مقاييسه!

فالمسامحة -كما أتصورها- لا تقتضي أن أعود كما كنتُ سابقًا، فالكثير مما يَفسد لا يمكن إعادته كما كان أبدًا، ولا حتى محاولات الترميم/ التلفيق غير مجدية.

يكفي أن يحافظ الإنسان على قلبه سليمًا سلامة حقيقة من الداخل ويسعى لإزالة ما يعلق به من أوساخ الدنيا، ثم بعد ذلك: لا يلزمه الحفاظ على الصور أو الأوراق القديمة.

في معاني الأشياء

إذا كانت القواميس في شتى العلوم تجمع الاصطلاحات لتفسر معانيها، ولتذكر ارتباطات هذا الاصطلاح بفكرة، أو شخص، أو ما سواهما.

وإذا كان من شأن القواميس أن تحدّث معانيها، وتضيف إلى اصطلاحاتها وتراكيبها الجديد سنة بعد سنة.

إذا كان هذا يحدث في المجال النظري فإننا أحوج إليه على مستوى الواقع!

ما المعنى الفعلي لتصرف سيء: كذبة، سخرية، أو لمز، أو استخفاف؟

ما المعنى الفعلي أو الجديد لزمالة أو صداقة عادت علينا بالضرر؟

ما المعنى الفعلي لمن يتخلى عنك، وقت حاجتك إليه؟

في إطار جمعنا للمعاني الفعلية على أرض الواقع، فإن خبرات جديدة ستُكتسب، ومنعطفات حادة قد تُسلك، وقوانين صارمة قد نختار السير وفقها،

لنتلائم أكثر مع المعاني الجديدة.

التراكم

قد نجتهد للحصول على خبرة ما بدراسة وتعلم، والمجتهد ناجح في الأغلب

ولكن النجاح الذي يُعطى بالوثائق، ويصدق بالأختام، شيء، والنجاح الموسوم بتراكم التجارب، وتكرر الفعل شيء آخر تمامًا.

المدرسة التراكمية تعطيك ما لاتعطيكه الدراسة المنهجية، فإذا كان الاستاذ في الدراسة المنهجية يوجهك، ويقدر لك اجتهادك ويتجاوز عن خطئك، فإن اساتذة المدرسة التراكمية لامرئيون، إذ يتغيرون بتعدد المواقف في حياتك، وتلون التجارب، واختلافها، ولكن كل تجربة، وكل موقف، سيراكم لديك خبرات: تنبيك دومًا أن ليس من جرب وخبر كمن ثوبه سليم(الجملة الأخيرة مقتبسة من ابن الجوزي رحمه الله) وتكشف لك بوضوح أن لاشيء يبقى كما كان، إذ تقدم الحياة الدائم نحو الأمام يفرض علينا أن نتغير، نسعى لتحسين أنفسنا، وفي سبيل ذلك قد نتخلص من أشياء أحببناها، وأشخاص ألفناهم، ولكن التراكم أنبنئنا أن التقدم للأمام يستلزم صورًا جديدة، وأوراقًا مختلفة

ومع كل الصور والأوراق القديمة التي نتخلص منها، نكتشف أن الحياة جميلة مهما كان لون أوراقها

تساؤلات

ما الذي يجعلك تنكر ما ألفته بالأمس؟؛ أهو تقادم العهد؟ أم طروء التغيرات؟ أم ماذا؟

لماذا نظل نبحث عن النموذج الأكمل فيمن حولنا؟ ؛ فيما نبرر لأنفسنا ذات الأخطاء التي رأيناها فيهم؟

لماذا نقبل اعتذارات أنفسنا لأنفسنا؟ ؛ فيما لا نقبل أسف الآخرين عن أنفسهم؟

لماذا لاننفك نضع من حولنا في إطارات محددة، وننظر إليهم من خلالها على الدوام؟؛ فيما نتقبل أنفسنا بجميع تقلباتها وتغيراتها المزاجية؟

لماذا ننسى أخطائنا؟ ؛ فيما نحفظ أخطاء الآخرين، ونحاسبهم عليها؟

________________________________________

 

حين كنتُ في الإبتدائية أضعتُ أحد أقلامي في الصف الدراسي، بحثتُ عنه، فلم أجده.

وبعد يومين، وجدت إحدى زميلاتي قلماً على الأرض، وأخذت تسأل عن صاحبته. رأيته في يدها ولكنه لم يكن قلمي، فتابعتُ الدرس.

وضعت زميلتي القلم في مكان لتأخذه صاحبته؛ نظرتُ إليه مرة أخرى؛ فإذا به هو، إنه قلمي.

وفرحتُ به.

سألت نفسي حينها: لِم لَم أعرفه أول مرة؟ ، فرأتيه متسخاً، نظفته وأعدته إلى بقية أقلامي.

_________________________

 

أهكذا نحن؟ نُنكر ما نعرف، ومن نعرف، لأن تلوثاً طرأ عليهم؟

تقرير عن كتاب: التوراة والإنجيل والقرآن والعلم لموريس بوكاي.

(موريس بوكاي) هو طبيب فرنسي، نشر هذا الكتاب عام 1976م ؛ وفيه يقارن بين موضوعات  الكتب السماوية الثلاثة، بعرضها على قواعد العلم الحديث، وقد أشار (بوكاي) إلى قلة الموضوعات التي تطرقت للعلم في الكتابين التوراة والإنجيل، في مقابل وفرتها في القرآن الكريم. تُرجم هذا الكتاب إلى سبعة عشر لغة، من ضمنها العربية.

أسلم (بوكاي) بعد تأليف هذا الكتاب؛ وقد توفي عام 1998م – رحمه الله- .

لقراءة التقرير عن هذا الكتاب: تقرير بوكاي

وفي هذا الرابط محاضرة مسجلة من سبعة أجزاء يتحدث فيها (موريس بوكاي) عن هذا الكتاب.